بسم الله الرحمن الرحيم
هذا المقال قديم نشرته سابقاً في مجلة البيان ( الصادرة عن دار المنتدى - لندن )
العدد 220 - يناير 2006
ولكن أعيد نشره لضرورته في هذه الأيام التي تشهد أحداثاً جسيمة في العراق
منذ بدأ احتلال العراق والمسؤولون العراقيون والأمريكيون عاكفون على كيل التهم لكل من إيران وسوريا بدعم المسلحين وعدم ضبط الحدود المشتركة لها مع العراق ، وكانت وتيرة هذه الاتهامات تأخذ منحى (جيبياً منتظما ) متبدلا فتارة يوجه باتجاه سوريا وأخرى باتجاه إيران.
أما سوريا فالاتهامات بحقها تعود إلى ماقبل سقوط النظام العراقي السابق فاتهمتها الولايات المتحدة بإرسال المقاتلين السوريين والعرب وتدريبهم بل ودعم العراقيين بالسلاح وما قصة المناظير اليلية ببعيدة ، ثم وسعت الاتهامات بعد نشاط الجماعات المسلحة وتشكيلها عبئا ثقيلا على قوات الاحتلال وخاصة في المناطق الشرقية القريبة من الحدود السوريا وظهر على شاشات القنوات الفضائية التابعة للفصائل الشيعية ( الفيحاء ، الفرات) أشخاص زعم أنهم ( إرهابيون عرب) أرسلتهم سوريا للقيام بعمليات الذبح والتفجير لقاء رواتب شهرية تصل إلى 1000 دولار شهريا وهذا الرقم لا يحلم به أكبر ضابط في الجيش السوري وزعم أولئك ( الإرهابيون العرب) أنهم تدربوا في معسكرات خاصة أعدت لهم في اللاذقية ودير الزور على يد ضباط في المخابرات السورية ولازال مسلسل الاتهام والنفي سائرا بين الطرفين .
أما إيران التي دعمت الحرب على العراق ووفرت ما تستطيع من الدعم اللوجستي من فتح المياه الإقليمية و الأجواء الإيرانية للطيران الأمريكي فلم تسلم أيضاً من الاتهامات ، بل ربما يكون وضع إيران أشد تعقيداً من صديقتها سوريا نظرا للتغلغل الإيراني الكبير في العراق.
وقبل أيام اكتشف أحد كتاب اللوموند سراً خطيراً مفاده أن "كميات كبيرة من الأسلحة هربت عبر الحدود الإيرانية إلى العراق ، وأن نوعاً فعالا من العبوات الناسفة التي تزرع على جوانب الطرقات سلمته إيران للمسلحين " وهذا الكاتب ربما سمع الخبر من إحدى وكالات الأنباء أو أحد المسؤولين العراقيين أو ربما حتى من الشارع لكنه لم يحسن تحليله لإنه تنقصه المعلومات حول نقاط أساسية هي :
1- الجماعات المسلحة المقاتلة في العراق ، عقيدتها ، أيديويوجيتها ، مشروعها المستقبلي ، نظرتها إلى إيران ونظرة إيران لها.
2- نظرة إيران إلى العراق ، ورؤيتها ومشاريعها المستقبلية تجاهه .
3- العلاقة بين إيران وشيعة العراق.
وبتحليل هذه الأمور يمكننا ان نفهم إلى أين تذهب صناديق الأسلحة الإيرانية التي أعلن أحد المسؤولين العراقيين أنه تم اكتشافها في ( مكان ما ) من العراق .
1-الجماعات المسلحة المقاتلة في العراق : وهذا التحديد ضروري جدا حيث توجد في العراق الكثير من الجماعات المسلحة ولكن ليس كلها يقاتل الأمريكان ، بل إن الجماعات المقاتلة تكاد تقتصر على السنة بعد توقف جيش المهدي وبيعه لسلاحه عقب أحداث النجف ووساطة السيستاني ، وحتى داخل هذه الجماعات يمكن أن نميز عدة فئات ، حيث توجد فصائل بعثية وعلمانية (ذات نشاط ضئيل ) وأخرى إسلامية ولكن يكاد لايختلف عارفان أن الجماعات الاسلامية هي المسيطرة وخاصة بشقها السلفي الجهادي المتمثل بعدة فصائل أشهرها ( تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين ، جماعة أنصار السنة ، جيش المجاهدين . وغيرها )
فما نظرة إيران لهذه التشكيلة ، وإلى من منهم سترسل الأسلحة وتهرب المقاتلين ،وإن فعلت فلماذا سيكون ذلك ؟
- هل ستدعم البعثيين الذين تعتبرهم كفرة وأعداء للثورة (الإسلامية ) قاتلوها ثمان سنوات بقيادة صدام حسين ، وتحاول بيد الفصائل المؤتمرة بأمرها إجتثاثهم حتى من الحياة بعد اجتثاثهم من الجيش والوزارات ، وهل سيتعامل البعثيون مع الإيرانيين ( الصفويين ) وحتى إن وضعوا الأيديولوجية جانباً وتصرفوا ببراغماتية (مصلحة) فلن يأمنوا جانب إيران لعلمهم بأهدافها المستقبلية.
أم ان إيران ستدعم السلفيين الجهاديين الذين تصفهم هي ومن والاها بالقتلة الوهابيين وبالناصبة ( أعداء آل البيت) وبالخوارج التكفيريين . هل ستدعمهم مع علمها انهم إذا انتصروا سيسعون لإقامة دولة إسلامية ( سنية ) تهدد أحلامها الجيوبوليتيكية بإقامة الدولة الشيعية الممتدة من حدود أفغانسان حتى شواطئ لبنان (إيران الكبرى) ، حيثاعلنت سابقا على لسان وزير خاجيها آنذاك علي ولايتي : ( أن إيران لن تقبل بقيام دولة وهابية في أفغانستان )، حيث سيصبح هؤلاء (الوهابيون ) إذا ما قويت شوكتهم قدوة للخمس وعشرين مليون سني في إيران الذين عادوا إلى التحرك خاصة في عربستان بعد احتلال العراق وتشكيل الحركات المقاتلة التي لن يكون آخرها إحياء جبهة تحرير عربستان التي تطالب بالإضافة لعربستان بتحرير الجزر الإماراتية الثلاث المحتلة ( طنب الكبرى ، طنب الصغرى ، أبي موسى ).
ثم ما رأي هذه الجماعات بإيران ، إنها تعتبر إيران العدو الأول للعراق بل وللإسلام بعد أمريكا وهذا واضح جلي في البيانات التي يصدرونها ، بل إن أبا مصعب الزرقاوي أمير أكبر هذه الجماعات أعلن حرباً على حلفاء إيران ( الأحزاب الشيعية ) وخاصة الإبن الأكبر ( المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق) وشكل فيلق عمر لتصفية أفراد وضباط فيلق بدر الذين اتهمهم بقتل المئات من أهل السنة والجماعة .
- ثم لماذا ستدعمهم إن فعلت ؟
هل تتطابق رؤيتها مع الرؤية السورية في ضرورة إبقاء أمريكا تتخبط في الجحيم العراقي فلا تملك القدرة على مجرد التفكير بتكرارالتجربة في مكان آخر ، لو كان الأمر كذلك لأوحت بذلك إلى الجناح العراقي من حرس الثورة الإيراني المسمى فيلق بدر أو كما يسميه العراقيون ( فيلق غدر) الذي أعلن قائده هادي العامري أنه يضم مئة ألف مقاتل مسلح ، ولكننا نجد العكس من ذلك يحدث ففيلق بدر هو الذي يقوم بلباس الشرطة والحرس الوطني بقتال المسلحين وتهديدهم بواسطة وزير الداخلية بيان جبر القائد في هذا الفيلق . بل إن الظاهر أنها لا تقبل أي تحرك من قبل الشيعة في مواجهة أمريكا وأكبر مثال على ذلك هو أحداث النجف التي قام بها مقتدى الصدر وجيش المهدي حيث أعلن غير مرة أن فيلق بدر يساعد القوات الأمريكية في التصدي لجيش المهدي ثم لعب السيستاني دور الوساطة لإنهاء المشكلة وحماية الصحن الحيدري ومن ثم إعلان الصدر سيره في العملية السياسية وتسليم أسلحة مقاتليه .
2-إيران كيف تنظر إلى العراق ؟
إن من يدرس الجيوبوليتيكيا الإيرانية( الجيوبوليتيكيا :علم يدرس شؤون الحدود والجبهات والتوسع للدولة يعود تأصيله وتحديد معالمه إلى المفكرين النازيين الألمان ) يجد أنها تتعامل مع العراق من اتجاهين :
الأول قومي ( فارسي ) والثاني ديني ( شيعي إثنا عشري) .
فالأول ( الفارسي ) ينظر إلى العراق والخليج العربي بوصفها أرض فارسيّة احتلها العرب ويجب إعادتها من اجل إحياء الإمبراطورية الفارسية وكان أئمة هذا التوجه هم الشاهاوات الذين قضت عليهم ثورة الخميني وحلفائه الماركسيين من حزب توده ،ولكن لا زال هذا الفكر موجوداً عند القوميين الفرس وإن أخفوه تحت عباءة التقية .
أما الاتجاه الثاني (الشيعي الاثنا عشري ) فبالرغم من أنه يعتبر التقيّة أربع اخماس الدين ، ويمارسونها في كل شؤون حياتهم ( التقية: مبدأ شيعي
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ